محمد سعيد رمضان البوطي
7
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
مقدمة الطبعة الجديدة قيّض اللّه لهذا الكتاب من الانتشار ومن إقبال الناس عليه ، ما لم يقيضه لأيّ من الكتب الأخرى التي وفقني اللّه لتأليفها وإخراجها . ومرد ذلك ، في يقيني ، إلى المنهج الذي سلكته في كتابة السيرة النّبوية ، والذي تضمن تصحيحا للأخطاء ، بل للانحرافات ، التي وقع فيها كثير من الكتّاب العصريين ، لا سيما أولئك الذين يتعاملون مع الشعار العصري المشبوه : ( قراءة معاصرة ) . ولقد تحدثت عن هذه الأخطاء وعن العوامل الخفية والمصطنعة التي أدت إليها ، كما تحدثت عن المنهج العلمي الذي يجب أن يتبع في كتابة السيرة النّبوية ، مقارنا بالمدارس والمناهج الأخرى ، وذلك في فصل أضفته ، في إحدى الطبعات الأخيرة لهذا الكتاب ، إلى المقدّمات الهامة التي افتتحته بها ؛ وعنوانه ( السّيرة النّبوية ، كيف تطورت دراستها وكيف يجب فهمها اليوم ) . كثيرون هم الذين حلّلوا حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في كتاباتهم ، على أنها عظمة إنسانية مجردة ، كالتي اتّصف بها كثير من القادة والرجال الذين خلوا من قبله وجاؤوا من بعده ؛ وكثيرون هم الذين أصرّوا على أن يفهموا الناس أن الفتح الإسلامي الذي قاده رسول اللّه ؛ إنما هو ثورة يسار اقتصادي ضدّ يمين متطرف ! . . وكثيرون هم الذين أوهموا الناس ، أو حاولوا أن يوهموهم ، أن الدوافع الخفية التي قادت رسول اللّه ومن معه إلى ما صنع ، إنما تتمثل في الرغبة الطامحة إلى نقل الزعامة والسيادة من أيدي الأعاجم إلى أيدي العرب . وجنّدت لهذه الأغراض أقلام ، ونثرت ابتغاء تحقيق ذلك أعطيات وأموال ؛ ورشح مؤلف هذا الكتاب ذاته في يوم من الأيام ، لسلوك هذا الطريق وكتابة سيرة رسول اللّه بالطريقة التي تخدم هذه الأغراض ، وطلب منه ذلك مباشرة وعلانية . غير أن التّجربة أثبتت أن كلّا من الأسلوب أو المنهج أو حوك التصورات المصطنعة ، لا يقوى على تحويل الحق إلى باطل أو الباطل إلى حق . فلقد انقشعت سحب هذه الكتابات كلها ، على الرغم من كثافتها ، وعادت شمس الحقيقة ساطعة من ورائها كما هي . وبقي الناس عامة والمثقفون خاصة ، على يقين بأن عظمة رسول اللّه ثمرة من ثمار نبوته ، قبل أن تكون من نسيج إنسانيته . وبأن الفتح الذي تمّ على يده ، كان قياما بأمر اللّه ، ولم يكن لحاقا وراء مال . . وبأن السيادة فوق هذه الأرض - فيما علّمنا إيّاه رسول اللّه - إنما هي للإنسان من حيث هو ، فهو